وهم “سوبر ماما”:بين سراب الكمال وعبء جلد الذات

بين سراب الكمال وعبء جلد الذات
في نهاية يوم طويل، وبينما لا تزال آثار الفوضى الدافئة تملأ زوايا البيت، أجدني أرقب سكون الصغار بعد ضجيجٍ استنزف آخر قطرة من طاقتي. في تلك اللحظات، حين لا تجلس الأم منا إلا لتنام، أغمض عيني وأتساءل: متى أصبح مقياس نجاحنا هو القدرة على فعل كل شيء دون تعب، وبلوغ الكمال دون خطأ؟ متى فُرض علينا أن نكون “سوبر ماما”؛ تلك النسخة التي لا تنكسر ولا تضعف؟
الحقيقة التي أدركتها وسط زحام المسؤوليات وتراكم المهام، هي أن أطفالنا لا يحتاجون أسطورةً لا تخطئ، بل يحتاجون أماً حقيقية، تعيش بشريتها أمامهم بصدق؛ تتعب وتتعثر ثم تنهض، ليعرفوا من خلالها أن الحياة رحلة محاولة، وأن السكينة أهم من الكمال.

🌱 دروس في ظلال الإنسانية: كيف نربي بالصدق؟


1. حين أقول: “لا أعلم” (فقرُنا إلى الله): من أصدق الدروس التربوية أن تسمع الأم نفسها تقول: “لا أعرف الجواب الآن”. قد يندهش الطفل: “كيف لا تعرفين وأنتِ أمي؟”، فنبتسم ونقول: “لأنني لا أعلم كل شيء.. وسأبحث في الأمر، أو ما رأيك أن نبحث معاً؟”. لقد خلّد القرآن الكريم تواضع الأنبياء في العلم، كما فعل سيدنا موسى مع الخضر عليهما السلام؛ ليعلمنا أن السؤال قوة، وأن فوق كل ذي علم عليم، وأن التعلم لا عمر له.
2. حين أعتذر بلا تكلّف (مدرسة التوبة): الاعتذار من الأم ليس انكساراً بل بناء؛ كلمة صادقة قادرة على ترميم قلب طفل. من مواقف الحياة اليومية حين أقول: “أعتذر يا ابنتي، كان رد فعلي أمس زائداً لأني تأخرت في تحضير العشاء وشعرت بالتوتر”. نحن لا نبرر الخطأ بل أشرحه، وهذا موقف حدث معي منذ أيام. أنا هنا أطبق منهج أبينا آدم عليه السلام في الاعتراف بالخطأ: “ربنا ظلمنا أنفسنا”. ليتعلم الطفل أن الخطأ لا يلغي المحبة، وأن الشجاعة في العودة والاعتذار هي بناء لا انكسار.
3. حين أظهر تعبي ومشاعري (بشرية الأنبياء): ليس مطلوباً أن نخفي الإرهاق خلف ابتسامة مصطنعة. حين تخبرين طفلك: “اليوم ماما متعبة قليلاً، قد أكون أهدأ أو أقل صبراً، فأتمنى منكم أن تحترموا ضعفي وتتفهموني”. تذكّري قول النبي ﷺ: “إنما أنا بشر مثلكم”. الطفل هنا يتعلم “تسمية المشاعر”، والتعاطف مع الآخر، وأن التعب أمر طبيعي لا ينقص من قدرنا.
4. حين يراني طفلي أتعلم (مجاهدة العلم): حين يراكِ أطفالكِ تقرئين، تبحثين، أو حتى تعانين في التوفيق بين دروسكِ وبينهم؛ أنتِ هنا تقدمين أعظم درس في المثابرة. قولي لهم بصدق: “كنت أظن غير ذلك، لكنني تعلمت اليوم شيئاً جديداً”. كما سافر سيدنا موسى عليه السلام ليتعلم، أنتِ تعلمينهم أن العلم تواضع، وأن الأم تتطور أمام أعينهم.
5. حين أترك المهام ناقصة لأجلهم (ترتيب الأولويات): “اليوم لن أغسل الأطباق، سأجلس معكم لنقرأ قصة.. البيت النظيف مهم، لكن ذكرياتنا الدافئة أهم”. هنا يتعلم الطفل ترتيب الأولويات، وأن الإنسان ليس آلة تعمل بلا توقف.
6. حين لا أنجح.. وأعترف بذلك: احترق الطعام؟ فشل التخطيط؟ ببساطة قولي: “يبدو أن هذا الاختيار لم يكن الأفضل، سأتعلم منه المرة القادمة”. هكذا نربي طفلاً لا يخاف الفشل، ويؤمن بأن المحاولة في حد ذاتها قيمة.
7. حين أطلب المساعدة (قيمة التعاون): الأم التي تطلب المساعدة لا تفقد هيبتها، بل تقتدي بسيدنا موسى حين طلب من ربه وزيراً من أهله (هارون) ليشد به أزره. حين تقولين: “هل تساعدني؟ اليوم لا أستطيع وحدي”، أنتِ تعلمينهم معنى “الفريق الواحد”.

💡 لماذا يحتاج طفلكِ أن يراكِ على طبيعتكِ؟

تظنين أن مثاليّتكِ هي الأمان لطفلك، لكن الحقيقة التي نلمسها في الاستشارات التربوية تقول غير ذلك؛ فالأم “المثالية زيادة” قد تخلق طفلاً قلقاً، يرتعب من التجربة لأنه يخشى خدش صورة الكمال التي يراها فيكِ. بينما حين يراكِ “بشرية” تمنحينه الأمان النفسي ليجرّب هو الآخر.
يا أيتها الأم، ذكّري نفسكِ دوماً بأنكِ “إنسان”، وتذكّري أن ابنكِ كذلك؛ فهو لم يُخلق ليتعلم من خطأ واحد، بل هو في رحلة تجربة مستمرة.
لقد عرض القرآن قصص الأنبياء بـ “بشريتهم” ليكونوا لنا قدوة قابلة للتطبيق، لا صورة أسطورية للتقديس فقط.

⚠️ أوهام الكمال تطاردنا (فقه التوازن)


وهم الهدوء الدائم: نجاحكِ لا يُقاس بصمتكِ، بل بكيفية عودتكِ للهدوء والتحكم في انفعالك .. التربية تطلب أماً تلجأ للسكينة و تسعى اليها كما وصى النبي ﷺ .
وهم السعادة المطلقة: نحن لسنا هادين للقلوب، بل نحن “أدوات” فقط. حتى الأنبياء لم يملكوا هداية أبنائهم (كسيدنا نوح عليه السلام). دوركِ هو السعي وبذل الحب، والنتائج بيد الله.
وهم المقارنة الصامتة: كثيراً ما تُقارن الأم نفسها بأمهات أخريات فيما يُعرض في الصور وماتسمع من هنا وهناك، فتنسى أن كل بيت له ظروفه، وأن ما يُرى ليس بالضرورة ما يُعاش.
وهم التضحية بإلغاء الذات(الكمال في التوازن):
تظن الأم أن قمة العطاء من خلال الغاء ذاتها ، فتردد: “أعيش لأجل أطفالي”. لكن الحقيقة أننا نعيش لله ونربي لأجله؛ فمنحُكِ وقتاً لذاتكِ ليس أنانية، بل هو “وقود” لأداء الأمانة. الطفل لا يحتاج أماً “محترقة” ترهقه بانتظار رد الجميل، بل يحتاج أماً متزنة تعبد الله برعاية نفسها كما تعبده برعاية أبنائها
وهم النتائج الفورية: كثيراً ما تقع الأم في فخ انتظار الثمار السريعة، وتظن أن التربية “زر” نضغط عليه لنحصد التغيير فوراً. لكن الحقيقة أن التربية زرعٌ طويل الأمد، يحتاج صبراً ويقيناً بأن الهداية بيد الله وحده. تذكري قصة سيدنا نوح عليه السلام؛ بذل من الجهد والنصح قرابة الألف عام، ومع ذلك لم يكن ابنه معه في السفينة. لم يكن ذلك “فشلاً” منه وهو النبي الكريم، بل هو درس لنا جميعاً: أن دورنا هو “البلاغ” و”بذل السبب” بكل حب وصبر، أما القلوب وتوقيت هدايتها فبيد رب العالمين. لذا، اعملي ما عليكِ بصدق، ثم ألقي عن كاهلكِ عبء النتائج؛ فما عليكِ من حسابهم من شيء.
وهم “أنا السبب في كل مشكلة”: حين نواجه مع الطفل تحدياً سلوكياً أو غير ذلك، تسارع الأم لجلد نفسها: “أنا قصرت.. أنا السبب..أ”. ما يجب معرفته هنا هو أن الطفل كائن مستقل، له سماته الشخصية وتفاعلاته مع العالم من حوله. ليس كل تعثر لطفلك هو “شهادة فشل” لكِ، بل هو جزء من رحلته الخاصة في التعلم. دوركِ هو أن تكوني “المرفأ” الذي يرسو عليه، والموجه الذي يصحح المسار، لا القاضي الذي يحاكم نفسه على أخطاء غيره.

يقول ابن القيم “كمالُ العبدِ في هذين الأصلين: الاستهانةِ بنفسه، والاستكانةِ لربه.”

🌙 وقفة مع “جلد الذات” في سكون الليل


حين ينام الصغار، يتربص بكِ “جلد الذات”.. وهنا أهمس لكِ بصدق: إن جلد الذات هو “ثقب أسود” يستنزف طاقة الأم التي يحتاجها أطفالها ليوم جديد.
انتبهي؛ هناك خيط رفيع بين “المحاسبة للإصلاح” وبين “الجلد للإحباط”. انظري ليومكِ بعين “فقه الأولويات” أو عبارة “الفرض قبل النافلة” التي أحبذها وأظن أنها تحدد المسار بأبسط طريقة؛ قد تكونين قصرتِ في تنظيف البيت، لكنكِ نجحتِ في احتضان قلب مكسور. طفلكِ لا يحتاج أماً مثالية حزينة، بل يحتاج أماً هادئة قادرة على المحاولة غداً. الله يقول: “لا يُكلف الله نفساً إلا وسعها”، فإذا كان الخالق يرحمكِ، فارحمي نفسكِ. وإذا كانت أولوياتكِ عكس ذلك، فهنا ضعي وقفة مع نفسكِ واجعل الغد يكون أحسن.

🛠️ خطوات صغيرة لترميم روحكِ (حلول عملية)


1. قاعدة “ما لا يُدرك كله لا يُترك جُلُّه”: إنجاز القليل الممكن خيرٌ من ترك كل شيء طلباً للمستحيل مع الاستعانة بالله في كل أمرك.
2. خلوة الخمس دقائق: اقتنصي لحظات سكون قصيرة لتتنفسي بعمق بعيداً عن الطلبات ولتعيدي ترتيب أولوياتك.
3. الشكر لصغائر الأحداث: قبل النوم، استحضري ثلاث لحظات دافئة حدثت اليوم واحمدي الله عليها.
4. التفويض الذكي: لا تحملي الكرة وحدكِ؛ فوضي بعض المهام واقبلي نتيجتها مهما كانت. بيني وبينكِ، قد تحبين أن تنتقدي العمل وتحجميه، لكن أنصحكِ أن تصبري ولا تفعلي؛ فأجمل ما تقدمينه لأطفالك هو كلمة شكر تساعدهم على تحمل المسؤولية ورفع تقديرهم لذواتهم.
5. كلمة “لا” الصديقة: تعلمي أن تقولي “لا” للالتزامات التي تستنزف طاقتكِ؛ فصحتكِ النفسية هي أغلى ما يملكه أطفالكِ. قد تجدين هذا صعباً ولكن أعدكِ أنهم سيتفهمون مع الوقت أنكِ لستِ آلياً.

🌸 همسة لكِ.. فن ترميم الروح


يا أمّاً تحاول.. تذكّري دائماً الفرق بين الكمال و الإتقان. فالكمال وهمٌ شيطاني، أما الإتقان فهو رحلة ربانية: “إن الله يحب إذا عمل أحدكم عملاً أن يتقنه”. لم يقل “أن يبلغه الكمال”، بل أن تبذلي ما في وسعكِ، وتتعلّمي ما تجهلين، ثم ترضين.
هناك فن ياباني قديم يُدعى “الكينتسوغي”، حيث يُرمم الفنانون الأواني المكسورة باستخدام الذهب السائل. هم لا يحاولون إخفاء الشقوق، بل يبرزونها كجزء من تاريخ الإناء وجماله. أخطاؤكِ، لحظات تعبكِ، وكسوركِ النفسية أمام أطفالكِ هي “خيوط الذهب” في تربيتك. حين يراكِ طفلكِ ترممين نفسكِ بالصبر والاستغفار والاعتذار، هو لا يرى أماً “مكسورة”، بل يرى أماً أصبحت أكثر قوة وجمالاً بسبب تلك الشقوق. لا تحاولي أن تكوني إناءً أملسَ كاملاً لا روح فيه، بل كوني ذلك الإناء الذي يحكي قصة صموده وتطوره عبر السنين.
في كل مرة تقولين فيها: “لا أعلم”، “أخطأت”، أو “أعتذر”، أنتِ لا تهدمين صورتكِ، بل تبنين داخلهم إنساناً سوياً يدرك أن الكمال لله وحده، وأن الإنسان يجمُله سعيه وصدقه لا عصمته.
كوني أماً صادقة في سعيها، هادئة في تقييمها، رحيمة بنفسها.. فهذا أعظم ما يمكن أن تهديه لطفلك.

أخبريني الآن يا جميلة، هل وجدتِ نفسكِ بين السطور؟! وما هي الإضافة التي يمكنكِ أن تضيفيها لهذا المقال فتجعله قلباً ينبض بتجربة منكِ أو لمسة تحكي معاناتكِ مع وهم الماما ؟!


التعليقات

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *