
المقدمة: اختلاف تفسيرات القيم بين الازواج احد اسباب سوء التواصل
ففي لحظات هادئة مع أنفسنا، قد نقف ونتأمل: هل ما نمارسه ونتبناه من قِيَم نمارسه فعلاً بمعناه الصحيح؟ أم أننا نحمل تفسيرات قد تكون قريبة من الصواب أو بعيدة عنه، ثم نتمسك بها وكأنها الحقيقة المطلقة؟
وقد نتساءل أيضًا: هل تصرفاتي موضوعية حقاً؟ أم أنها مجرد رؤية شخصية أؤمن بها، ثم أتعامل وكأن الآخرين يجب أن يقتنعوا بها هم أيضاً؟
قد تبدو هذه الأسئلة معقدة للبعض، وربما يصفها آخرون بأنها غير مهمة، لكنها في الحقيقة من أكثر الأسئلة التي تكشف مدى وعي الإنسان بنفسه وبعلاقاته.
القيم… كلمة واحدة ومعانٍ متعددة.
معنى القيم:
القيم هي مجموعة الفضائل والمبادئ التي تحكم سلوكنا وقراراتنا، ونتمسك بها بناءً على تفسيرنا الفردي لها. وهي تمثل الإطار الذي نقيّم من خلاله تصرفاتنا وتصرفات الآخرين.
اختلاف تفسير القيم بين الأفراد:
كل إنسان يمتلك منظومة من القيم التي يؤمن بها مثل الصبر، الاحترام، الشكر، العطاء، الالتزام، التقدير والصمت. لكنها رغم أنها كلمات عالمية، إلا أن تفسيرها يختلف من شخص لآخر حسب البيئة والتجارب وطريقة التربية.
وهذا الاختلاف في التفسير قد يبدو بسيطًا، لكنه قادر على صناعة فجوة واسعة داخل العلاقات، خاصة العلاقة الزوجية.
مثال واقعي: الاحترام بين الزوجين
لنأخذ الاحترام كمثال. في كثير من العلاقات، نجد أن كل شريك يحمل تعريفاً مختلفاً تمامًا لهذه القيمة
قد يرى الزوج أن الاحترام سلوك يظهر حين يكون مزاجه جيداً. في لحظات الراحة يكون لطيفاً، ودوداً، حنوناً، ويُظهر المودة وكأنه يعيش أفضل أيامه. ولكن حين يمر بضغط أو توتر، يختفي هذا السلوك ليحل محله صوت مرتفع ونبرة حادة وربما بعض التجاوزات اللفظية.
الزوجة هنا تقف في حيرة: هل هذا احترام؟ كيف يكون محترماً في يوم ويفتقد الاحترام في يوم آخر؟ بالنسبة لها، الاحترام قيمة ثابتة تُمارس في كل الظروف، سواء كانت مريحة أو صعبة.
وهنا تبدأ حالة النفور، ويبدأ الرابط العاطفي في التراجع، ليس لأن أحدهما سيئ، بل لأن تعريف القيمة مختلف بينهما.
أين يبدأ الخلل؟
الخلل يبدأ عندما لا يمتلك أحد الطرفين وعياً كافياً ليرى تناقض سلوكه فهو يبرر تصرفاته بناءً على مشاعره وظروفه، بينما يرى الطرف الآخر أثر هذا السلوك بوضوح.
هذا النوع من اختلاف التفسير يؤدي إلى:
تضارب في التوقعات
سوء فهم
تراكم مشاعر سلبية
ضعف التواصل
عدم استقرار العلاقة
التصادم القيمي:
التصادم القيمي:
التصادم القيمي هو مجموعة القيم التي تختلف بين الزوجين، وتؤدي بدورها إلى دخول الطرفين في صدام مستمر يسبب شرخاً و ضرراً للعلاقة ويضعفها تدريجياً. هذا التصادم يظهر حين لا يكون هناك توافق على تفسير القيم الأساسية، ويشعر كل طرف بأن الآخر لا يفهم منظومته الداخلية.
كيف تتشكل القيم؟
غالباً ما تتكوّن القيم وتتبلور من خلال المواقف والتجارب التي نمر بها في حياتنا، خصوصاً تلك اللحظات التي تحمل قدراً من الألم، أو الإحباط، أو الشعور بالفشل. ففي مثل هذه التجارب يتعلم الإنسان، ويعيد تقييم ذاته، ويخرج بقيم عليا تشكّل وعيه ونظرته للحياة.
لكن هذه القيم لا تكون واحدة عند الجميع؛ فهي تختلف من شخص لآخر باختلاف التجربة نفسها، وعمقها، وطريقة فهمها واستيعابها. ومن هنا ينشأ التفاوت في منظومة القيم بين الأفراد، حتى وإن مرّوا بتجارب متشابهة.
لماذا يجب أن نراجع تفسيراتنا للقيم؟
لأن القيم ليست مجرد كلمات نرددها، بل هي سلوكيات تُمارس واتفاقات تُبنى بين شريكين. وإذا حمل كل طرف تفسيراً مختلفاً لقيمة أساسية، فسيصبح من الطبيعي جداً أن تظهر النزاعات.
تباين القيم بين الشريكين يمكن أن يقود إلى ما يُسمّى التصادم القيمي، وهو أحد أخطر أنواع الخلافات النفسية في العلاقات؛ لأنه يجعل كل طرف يشعر بأن الآخر لا يفهمه أو لا يقدّر منظومته الداخلية. هذا التصادم قد يقود إلى تفكك العلاقة تدريجياً، مهما كان الحب موجوداً، لأن الأساس الذي تقوم عليه العلاقة غير واضح وغير مشترك.
الخاتمة:
المشكلة لا تكمن في القيم نفسها، بل في تفسيرها وطريقة تطبيقها
وعندما يجلس الشريكان ليتحدثا عن معنى الاحترام، ومعنى التقدير، وما ينتظر كل منهما من الآخر، يصبح الطريق إلى علاقة صحية أكثر وضوحاً.
إن مراجعة تفسيرات القيم ليست رفاهية، بل ضرورة لحماية العلاقة من التآكل، ولضمان أن يكون ما نؤمن به منسجماً مع ما نمارسه..
وفي النهاية، عندما نفهم معاني قيمنا جيداً… نفهم علاقتنا جيداً.
أ.سجود عمر/أخصائي إرشاد نفسي وأسري و زواجي و تربوي

اترك تعليقاً